كان المصري القديم أعجوبة العالم في كافة المجالات ولكن سيظل التاريخ يذكر طويلا أحد أهم إنجازاته، “مجمع التحرير”
فقد كان المهندس المصري القديم بعيد النظر و”بتاع كلة” ويتضح ذلك في تصميم “المجمع”. فحتى الآن لم يعرف السبب الحقيقي الذي بني من أجله. فعند أول نظرة يهيئ لك أنه أحد الأهرامات أو أحد تجارب بناء المكعبات لتكون بديل للهرم. وربما لعدم ثقة المهندس في نجاح فكرة الهرم المكعب فقد صمم “المجمع” ليكون فندق عند اللزوم وقيل ليكون حصن حربي أو حقل تجارب لطلبة كلية الهندسة.
بغض النظر عن السبب الأصلي الذي بني “المجمع” من أجلة فإنه كان أكثر من مجرد بناء. فقد عثر على حفريات تسجل بوضوح كثيرا من الطقوس التي كانت تمارس داخل ذلك الصرح المجهول. حيث كان يقطن هذا المكان الضخم أناس يقضون الحاجات ويكشفون الطالع ويحلون المشاكل للعامة. فالغالب أن “المجمع” كان إسم أحد الأولياء الذين كان يرجوه الناس لفك المعمول وعقد المفكوك.
وكان على من يرجو سيدي “المجمع” أن يكون عظيم الصبر ذو لياقة بدنية أولمبية. فقد كان سدنة “المجمع” من الموظفين يختبرون قوة تحمل المريدين في تسلق السلالم والجري وراء دمغات الرضى والبحث عن أختام الخلاص. ولم تكن الإختبارات بدنية فحسب بل كان هناك جوانب ذهنية ونفسية. فقد كان يطلب من المريد فك رموز مصطلحات اللغة البيروقراطية وحل طلاسم الإشارات الحكومية. ومن أشهر الألغاز لغز الدبوس.
فبعد أن يطلب الموظف من المريد إكمال نموذج 6 عشر مرات وتصوير نماذج 6 و 7 و 8 ثلاثة عشر مرة (منها مرتين قبل الأكل) يتأكد الموظف من قوة أعصاب المريد بإخباره أن معاملته تحتاج نموذج 9 وليس 5. وبعد إحضار نموذج 9 يتضح أن الموظف السابق قد تغير وحل محلة موظف جديد لا يقبل أوراق لم يباركها هو بنفسه من أولها لآخرها. وهكذا يتم اختبار مدى حرص المريد وصدق نواياه في قضاء حاجته. وبعد أن يبارك الموظف الجديد الأوراق بعد بعض المداعبات اللطيفة (مثل: “مين قال لك تملى نموذج 9؟”، “ورق إيه؟ إنت لك ورق عندنا؟” ) يتفضل بدعائه المشهور “فوت علينا بكرة” فيهلل المريد ظانا بقرب دنو أجل معاملته ووشك خلاصها فيكون من السعداء الفرحين المختالين برضى سدنة وكهنة سيدي “المجمع”. وما أن يمر “بكرة” حتى يكتشف المريد أن “بكرة” في اللغة المصرية القديمة تحمل في طياتها معاني غزيرة وغايات عدة معظمها بعيدة الأجل.
فـ”بكرة” عند التلميذ هو اليوم الذي يسبق الامتحان. و”بكرة” عند العامل هو يوم لا يظهر على النتيجة دائما. و”بكرة” بالكاف تختلف عنها بالقاف. فالثاني
حيوان يزن الكيلو منه نصف مهية الموظف الحكومي. ويقال تبكر تباكر تبكيرا إذا أراد أن يلحق دورة في طابور الجمعية قبل نفاد العيش البلاستيك وتوزيع العيش الزلطي. و”بكرة” عند الموظف الحكومي هو مدة زمنية يتم قياسها بالمزولة الزحلية غالبا.
وعندما يمر “بكرة” الذي غالبا ما يحسب بالشهور المريخية وليس القمرية يعود المريد فيسأله الموظف وهو معقود الحاجبين “فين الدبوس؟” فيرد المريد بإبتسامة بلهاء محاولا تفادي عصبية الموظف الذي بدأ ينظر إليه بازدراء فلا يجد خلاصا إلا أن يلعب “عروستي” مع الموظف والمارة لحل الفزورة. هذا لغز غالبا المراد منه زغزة خلايا المخ لتعلو الهمة وتنشط الإرادة وربما أيضا لقياس درجة الخلل العقلي ومعرفة إن كان المريد من الأسوياء أو من مؤلفي المسلسلات. فلغز الدبوس يعد من الموروثات الثقافية التي تمسك بها أهل “المجمع” مدى قرون وعلى رأي المثل “شد وهات الدبوس لحسن تكون ياحبيبي منحوس”
وما يميز المريدين عن الموظفين في حفريات “المجمع” أن المريدين لديهم نتوءات بارزة في منطقة القفا نشأت عن مدى ترددهم على “سيدي المجمع” وتحمل المشاق والآلام في سبيل نيل الرضى. ونجد أن موميات الموظفين تتكون من ذراعين وستة أرجل نتيجة تفاعلهم مع الكرسي الوظيفي على مدى السنين.
Leave a comment