في حياة الشعوب هناك لحظات تعود فيها الأسئلة الكبرى للواجهة وتختلط فيها السياسة مع الفلسفة والدين مع الدولة والماضي مع الحاضر. العالم العربي، على امتداد قرنين ظل يطرح السؤال ذاته بصيغ مختلفة: لماذا تأخرنا؟ وكيف ننهض؟
والإجابة – كما تكررت في فكر كبار مفكرينا – تدور دائماً حول ثلاث كلمات: العدالة، الحرية، والكرامة الانسانية، مع التأكيد على أن الاستبداد، في بعديه السياسي والفكري، كان العقبة الكبرى أمام مشروع النهضة.
وقد سبق إلى هذا المعنى ابن خلدون حين قال في مقدمته: “الظلم مؤذن بخراب العمران”، مبيّناً أن العدالة ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل شرط وجود الدولة واستمرارها. ورأى أن السلطة الجائرة تفسد طبائع الناس، وتنشر الخوف والتملق، وتقطع دافع العمل والإنتاج، وهو ما يؤسس لانحدار بطيء وسقوط الدولة.
وهكذا بدأت رحلة الأفكار: من الطهطاوي الذي رأى في الدستور والحرية مدخلاً للعدالة، إلى الكواكبي الذي حمّل الاستبداد مسؤولية خراب الدين والدولة، إلى الأفغاني وعبده اللذين حاولوا التوفيق بين الأصالة والمعاصرة… مروراً بمالك بن نبي الذي نظر إلى النهضة كمشكلة حضارية، والجابري الذي فتش عن جذور الاستبداد في بنية العقل العربي
من الطهطاوي إلى الكواكبي: الحرية والإستبداد
في النصف الأول من القرن التاسع عشر، كان رفاعة الطهطاوي أول من كتب عن الحرية بلغة جديدة. لم يرها شعاراً، بل نظام حكم. قال إن العدل لا يكون إلا بسيادة القانون، وإن الحاكم لا يُحَب إن لم يُحاسَب. كان ذلك في وقت كان فيه العالم العربي يرزح تحت أنظمة أبوية ترى في السلطة قدراً لا يُناقَش.
بعده جاء جمال الدين الأفغاني، من كابول إلى القاهرة، وهو يحذر من خطرين متلازمين: الاستعمار الخارجي، والاستبداد الداخلي. وكان يكرر أن أمة بلا حرية مصيرها التبعية، وأن الدين إن لم يُحرر العقول، سيتحول إلى أداة بيد الظالم.
ثم جاء عبد الرحمن الكواكبي، وكتب كلمته الخالدة: “الاستبداد أصل كل داء”. قالها وترك وراءه كتاباً كافياً ليُلهم ثورات قرن كامل. في «طبائع الاستبداد»، وصف الكواكبي كيف يصنع المستبد حوله رجال دين مزيفين، وإعلاماً وجيشاً لا يعرف إلا الطاعة. قال إن الاستبداد لا يُقهر إلا بالوعي، وإن العدالة لا تُهدى بل تُنتزع.
من عبده إلى شريعتي: الدين ضحية أم شريك
الإمام محمد عبده، الذي بدأ حياته ثورياً وانتهى مصلحاً، اختار طريقاً آخر: التعليم، والإفتاء، والإصلاح من داخل الدولة. آمن أن تحرر العقول يسبق تحرر الأوطان، وأن الخطوة الأولى هي تحرير الدين من الجمود.
في المقابل، جاء علي شريعتي، مفكر الثورة الإيرانية، وقال بصراحة: المشكلة ليست في الدين، بل في قراءته السلطوية. حمل راية الحسين كرمز لمواجهة الظلم، وحذر من “استحمار” الناس باسم الفقه. دعوته لم تكن فقط إحياءً لثورة، بل تشريحاً عميقاً لكيف يُستخدم المقدّس لتبرير القهر.
من بن نبي إلى الجابري: النهضة مشروع مجتمع
مالك بن نبي، المفكر الجزائري، لم يتحدث عن الحاكم، بل عن المحكوم. عن المجتمع نفسه. قال إن الشعوب التي تفقد احترامها لذاتها تنتج طغاتها. سمّى ذلك “القابلية للاستعمار”، وأضاف: نحن ننتج الاستبداد من داخلنا.
وفي المقابل، جاء محمد عابد الجابري ليقول: لسنا بحاجة إلى استيراد القطيعة من الغرب، بل نملك داخل تراثنا ما يمكن إعادة قراءته بعقلانية. دعا إلى “نقد العقل العربي”، وإلى تأصيل الديمقراطية في ثقافتنا.
لحظة الربيع العربي: عودة الأسئلة القديمة
حين خرجت الشعوب العربية في 2011 تطالب بالحرية والكرامة، بدا وكأنها تعيد ما كتبه الكواكبي قبل قرن. بدا المشهد مألوفاً: الشعوب تهتف، والسلطة تقمع، والمثقفون منقسمون بين الواقعية والرومانسية.
لكن السؤال بقي: هل تكفي الثورة بدون مشروع؟ وهل يمكن تحقيق العدالة دون إصلاح العقل؟ وهل الإصلاح يكفي، أم لا بد من قطيعة كاملة مع أنظمة أنتجت الاستبداد؟
ما بين العدل والاستبداد تتباين مصائر الأمم
في كل فكر رواد النهضة، كان هناك خيط مشترك: لا نهضة مع الاستبداد، ولا استقرار بدون عدالة، ولا كرامة بلا حرية. قد تختلف مناهجهم، وقد تتباين مرجعياتهم، لكنهم اتفقوا على أن الأمة التي تفقد العدالة، تفقد المستقبل.
وإذا كان لكل عصر استبداده، فإن لكل جيل معركته. وربما تكون معركة جيلنا هي تحويل أفكار هؤلاء المفكرين إلى سياسات، وحواراتهم إلى مؤسسات، وآمالهم إلى واقع حي
Leave a comment